اليوم وقف أمامي طائر جميل!
أول شيء فعلته صباح اليوم بعد الاستيقاظ وما يتبعه من روتين، وقفت أمام الشرفة دون أن أفتحها، شعرت بأشعة الشمس تلامس جسدي، وأثرها الجميل كان أقرب لوجه قدمَي المكشوفَين، وقفت في هدوء وسلام، أمتلأ بنورها وطاقتها التي تملأ الدنيا، أصبحت مغرما بالشمس بعد ما كنت أختبئ منها، لا أعرفُ كيف يتغير الإنسان إلى هذا الحد..
فجأة، يقف أمامي طائر جميل، لأول مرة بعد عام من سكني في هذه البقعة من الأرض، أرى هدهدًا بديعًا، أظنه لا يراني بفعل الشمس وانعكاسها، ولكني أراه بوضوح، وعيناي اتسعت وقلبي خفق، شعرتُ أن هذه لحظة خاصة بي أنا..
هذا الهدهد جميل جدا، الأشياء تبدو مختلفة دائما في الحقيقة عما تراها في الصور، لم يكن كبيرا، عنده تاج من الريش بديع، يفتحه ويغلقه ويبدي به أكثر مما أُدرك، لم يكن صامتا، صدح بنغمات رقيقة وبسيطة، ولكنه لم يقف في ثبات وهدوء كما يفعل البُوم، الذي يمكنه في لحظة أن يدير وجهه ويتركك مع قفاه بغتة.. كنتُ أسمع عن هذه الحركة ولكن تأثيرها أوقع في النفس عندما تحدث أمامك دون تمهيد..
هذا الهدهد يتلفتُ كثيرا.. عماذا يبحث؟ هل هذه طبيعته؟ أم أنه له ضالَّة؟ يا ترى لو رآني هل كان سيحب وجودي أم سيفر مني؟ سيطير على كل حال بعد قليل، الدنيا كبيرة وواسعة وله أن يطير فيها ما يشاء!
تذكرتُ مهمته مع سيدنا سليمان، غاب وعاد من سبأ بنبأ عجيب، قوم يعبدون الشمس وتسودهم امرأة.. توعده النبي بالعذاب الشديد أوالذبح ولكنه نجا، وأتى بسلطان مبين!
هل الهدهد الذي أمامي يعرف ما حدث في الأوليين؟ هل يتحاكون هذه القصة ويفخرون بها؟ أم أننا وحدنا لدينا خبر!
يحب عقلي أن يأخذني في رحلاته دائمًا ويطوف بي عوالم كثيرة رغم أنني لا أفعل شيئًا سوى الامتلاء بأنوار الشمس وطاقتها الجميلة.
تعودت أن أبدأ صباحي برشفات من الماء، وكوب قهوة سريعة التحضير، بلا سكر، يكون أثرها لطيف علي، تعطيني قدرا من الانتباه ولا تعبث بسكر الدم وصحبتها خفيفة، تسحرني حينما أستنشقها وأطحن حبوبها الصغيرة بيدي لتذوب قليلا وتفرز لذتها.. أحمل الكأس مع كل مرة وأقرِّبه مني وأتنشق رائحتها فتصفو نفسي.
اختبرت أنواعا كثيرة من القهوة سريعة التحضير، بعضها قوي جدا ويؤثر على جسدي، فأشعر بوغز في جنبي رغم مذاقها الفريد، وبعضها يجعل النوم أصعب، وبعضها سيء المذاق والأثر وهذا نعوذ بالله منه.
أما التي لدي فلم أجد لها أثرا سيئًا علي حتى الآن، وأحب مذاقها، وتطيب لي رائحتها الذكية، فشعرت أنها رزقي.
أشعر بونسٍ بالغ في كل مرة أحمل قهوتي وأجلس على مكتبي بينما أحسُّ بحركة العصافير واليمام في شرفتي.. العصافير نشيطة جدا وتعشق اللعب والتقافز والوقوف بميلان عجيب على الحوائط، تبدو حياتهم صاخبة ومفعمة بالحيوية والمغامرات..! وأحيانا يصدحون بنغمات متلاصقة أثقل وأطول من غيرها وتمنيتُ لو فهمتُ معناها..
بينما اليمام يقدِّر جدا الهدوء والسكون وحميمية المشاركة في أغلب أوقاته، مع كل مرة يُخفض رأسه ليتناول حبوبه يعود مباشرة ليرفع رأسه ويتلفت يمينا ويسارا ليطمئن ويحذر من أي مفاجئة وهذا طبعه طوال جلسته، هل اعتاد القلق؟ أم أنهم حذرون فقط ولا يعبث بهم القلق كما يعبثُ بنا في هذا الزمان؟
أراه يحب الحبوب التي سخرني الله لأنثرها له في الصباح في حوض ترابي، ولكنه حذر جدا ولا يحب المفاجآت، يلحظ دخولي المفاجئ من الغرفة مباشرة، فيقفز من الحوض إلى السور ويراقب بعينيه ما قد يحدث، ولا أفهم سلوكه.. قدمتُ لك الطعام بحب، لمَ أنت خائف مني؟
وأنا في خيالي، أنتظرك أن تطمئن لي، وأطعمك بيدي، وتتطاير حولي وتقف على كتفي.
على كل حال، وجبة هنية ويوم سعيد.